Sabtu, 15 Oktober 2011

الفصل الثانى:


الفصل الثانى:

بيان سورة الأحزاب.الأية:35 واشتملت عليه السّورة
 ستة مباحث :
 المبحث الأول : سبب تسميّة هذه السّورة           
المبحث الثانى : المفردات اللغويّة
المبحث الثالث : سسب النّزول
المبحث الرابع : الإعراب
المبحث الخامس: التفسيروالبيان.سورةالأحزاب:35
المبحث السادس: فقه الحياة أوالأحكام

المبحث الأول
سبب التّسميّة هذه السّورة     
   رويت هذه التسمية عن ابن عباس رضى الله عنهما, كما رويت عن أبىّ ابن كعب رضى الله, روى ذلك عنهما العلماء بأسانيد جيدة. ووجه التسمية أن فيها ذكر أحزاب المشركين من قريش, ومن تحزب معهم من كنانة وغطفان وأحابيش قريش, وهم بنو المصطلق, وبنوالهون  حيث اجتمع هؤلاء الأحابيش عند جبل بمكة يقال له: حبشى, فحالفوا قريشا أنهم معهم ضد محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا جاءت تسميتها فى المصاحف الشريعة, وكتب التفسير وكتب السنة النبوية المطهرة بحيث لم تذكر فى مصحف بغير اسم سورة الأحزاب. أما معركة الأحزاب فقد سميت فى بعض كتب السيرة والتاريخ بمعركة الخندق أو وقعة الخندق أو غزوة الخندق, بالإضافة إلى تسميتها بغزوة الأحزاب أو معركتها, وسميت الخندق لأن المسلمين حفروا حول المدينة خندقا لاتقاء الأعداء.
  وهذه السورة الكريمة مدنية باتفاق العلماء , وكان نزولها – كما قال ابن اسحاق – فى أواخر سنة خمس من الهجرة, ورأى ذلك أيضا ابن رشد فى كتابة البيان والتحصيل, ولا خلاف فى مدنيتها, ولكن هناك خلاف فى السنة التى نزلت فيها, فقد روى عن الإمام مالك أنها نزلت فى سنة أربع وهى سنة غزوة الأحزاب نفسها, وفى عدد آيات هذه السورة قولان :
v   أحدهما ينسب إلى أبى بن كعب رضى الله عنه فقد سأله زر بن حبيش رضى الله عنه قائلا: كأين تعددن سورة الأحزاب ؟ قال: ثلاثا وسبعين آية, وان كانت لتعدل سورة البقرة, ولقد قرأنا فيها : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله والله عزيزز حكيم "  فرفع فيما رفع – أى نسخ نسخ – من التلاوة وان بقى الحكم رجما للمحصن والمحصنة إذا زنيا. وهذاالخبر لابد أن يكون موضع شك وريبة, وغير مقبول حتى عند الذين قالوا : إن ابيّا كان يلحق شيئا من القرآن بهذه السورة. والسر فى رفض هذاالقول : أن حفاظ القرآن الكريم, والخلفاء الأربعة رضى الله عنهم, وكافة الصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على عدد آيات القرآن وآيات كل سورة كما ورد فى المصحف دون خلاف يذكر. والذين اختلفوا فى شيء من ذلك قلة نادرة لايؤبه لهم.
v   والقول الأخر ينسب إلى عائشة رضى الله عنها: فقد قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم مائتى آية,فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن.
v   وهذاالقول ضعيف بل واه متهالك, ومثله فى الضعف والتهالك ما روى من أن تلك الزيادة كانت مكتوبة فى صحيفة فى بيت عائشة رضى الله عنها فأكلتها الداجن – أى الشاة – فذلك من أضاليل الروافض والملاحدة, وهؤلاء الروافض يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر, ويقولون : إن هذاالإمام سوف يأتى بالقرآن. وقر بعير – أى حمل بعير.
v   وبعد : فإن هذين القولين المنسوبين إلى أبى بن كعب وعائشة رضى الله عنهما لا وزن لهما, ولا يمكن تصديقهما كمخالفتهما لما أجمع عليه الصحابة رضى الله عنهم, وتضمنها أن القرأن قد ضاع بعضه, وهذا مناقض لقول الله تبارك وتعالى :    ................[الحجر:9][1]. وكل قول يخالف قول الله تعالى أو يناقضه مرفوض.
v   والخلاصة أن السورة اسمها فى المصحف " الأحزاب " وأن عدد آياتها ثلاث وسبعون آية وما عدا هذا فهو غير صحيح. وبعد : فإلى تفسير آيات السورة الكريمة والله المستعان.  

المبحث الثانى :
          المفردات اللغويّة
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الداخلين في السلم المنقادين لحكم اللّه الآتين بأركان الإسلام، والإسلام: الانقياد والخضوع لأمر اللّه. وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المصدقين بأركان الإيمان، والإيمان: التصديق بما جاء عن اللّه من أمر ونهي. وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ الخاضعين للّه المداومين على الطاعة، والقنوت: الطاعة في سكون. وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ في القول والعمل.
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على الطاعات وعن المعاصي، فالصبر: تحمل المشاق على المكاره والعبادات والبعد عن المعاصي. وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ المتواضعين للّه بقلوبهم وأعضائهم،
 والخشوع: السكون والطمأنينة. وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ بما وجب في مالهم. وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ الصوم المفروض في رمضان وغيره من النذور وكفارات الأيمان والقتل الخطأ.
وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ عن الحرام. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ بقلوبهم وألسنتهم. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً هيأ لهم مغفرة تمحو ذنوبهم، وهي ما اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفّرات. وَأَجْراً عَظِيماً على طاعتهم: وهو نعيم الآخرة.

المبحث الثالث :
سسب النّزول
{  إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا  (الأحزاب:35) } .
    قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا (1) عبد الرحمن بن شيبة، سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نُذْكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت(2) : فلم يَرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت، وأنا أسَرّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حُجْرة من حُجَر بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: "يا أيها الناس، إن الله يقول: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" إلى آخر الآية.
وهكذا رواه النسائي وابن جرير، من حديث عبد الواحد بن زياد، به مثله (3)
    طريق أخرى عنها: قال النسائي أيضا: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سُوَيْد، أخبرنا عبد الله بن شَريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }(4).
    وقد رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه عن أم سلمة، رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } الآية(1)
طريق أخرى: قال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا نذكر؟ فأنزل الله: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } الآية .
    حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب قال: حدثنا سَيَّار بن مظاهر العَنزي (2) حدثنا أبو كُدَيْنة يحيى بن المهلَّب، عن قابوس بن أبي ظِبْيَان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } الآية (3)
    وحدثنا بشر(4) حدثنا يزيد، حدثنا سعيد (5) ؛ عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلن: قد ذَكَركُنّ الله في القرآن، ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } الآية(6).

المبحث الرابع :
الإعراب
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ .. الآية: كله منصوب بالعطف على اسم إِنَّ، وخبرها:
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً. وقوله: وَالذَّاكِراتِ حذف منه المفعول، وكذلك:
وَالْحافِظاتِ حذف مفعوله، وتقديره: والذاكرات اللّه، والحافظات فروجهن، فحذف المفعول لدلالة ما تقدم عليه. وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين، وأما عطف الصنفين على الصنفين فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، لتغاير الوصفين، وكأن معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات لهم مغفرة.

المبحث الخامس
التفسير والبيان
     هذه الآية وعد للرجال والنساء على الطاعة، والاتصاف بهذه الخصال، ذكر اللّه تعالى فيها عشر مراتب إشارة إلى ما يجب أن يكونوا عليه، دون اتكال نساء النبي على صحبته وملازمته وقربهن منه:
1- الإسلام والانقياد لأمر اللّه واتباع أحكام الدين قولا وعملا.
2- الإيمان والتصديق التام بما جاء عن اللّه من شرائع وأحكام وآداب. وهذا دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وأن الأول أخص من الثاني، فالإيمان: هو الاعتقاد والتصديق الكامل مع العمل الصالح، والإسلام قول وعمل بالفعل قال تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1) [الحجرات 49/ 14].
وفي الصحيحين: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن»
فيسلبه الإيمان، ولا يلزم منه كفره بإجماع المسلمين، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام.
3- القنوت: وهو دوام العمل الصالح، والطاعة في سكون، كما قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزّمر 39/ 9] وقال سبحانه: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [الروم 30/ 26]. وقال عز وجل: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران 3/ 43].
ويلاحظ التدرج بين هذه المراتب، فالإسلام: إسلام الظاهر من النطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ثم يأتي بعده مرتبة يرتقى إليها وهو الإيمان الذي هو الإذعان والتصديق الباطني في القلب، من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ثم ينشأ عن مجموعهما القنوت الذي هو السكون والخشوع في الطاعة وأداء العبادة.
4- الصدق في القول والعمل، وهو خصلة محمودة، وعلامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، فمن صدق نجا، وفي الحديث الصحيح عند أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن ابن مسعود: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب، حتى يكتب عند اللّه كذّابا».
لذا كان بعض الصحابة رضي اللّه عنهم لم تجرّب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام.
وهذه المرتبة تلي القنوت، فإن من آمن وعمل صالحا كمل، فيكمّل غيره، ويأمر بالمعروف، وينصح أخاه بصدق.
5- الصبر على المصائب، وتحمل المشاق في أداء العبادات وترك المعاصي، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي أصعبه وأوجبه في أول وهلة من الحادث. وهو سجية الراسخين الأثبات. ويأتي بعد المراتب السابقة لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى، فيصبر عليه.
6- الخشوع: وهو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع للّه تعالى قلبا وسلوكا، خوفا من عقاب اللّه تعالى، ومراقبته، كما
في الحديث الصحيح عند مسلم عن عمر: «أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
وهذه المرتبة تأتي بمثابة المراقبة على أعمال الحسنات، فإذا عملها الإنسان قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته، فأمر تعالى بالتواضع حتى لا تجمح الأهواء والشهوات بالنفس، فتوقعها فيما يرديها، وقد تعصف بثمرات جميع الأعمال الصادرة عنها.
7- التصدق بالمال: وهو الإحسان إلى المحتاجين الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب، فيعطون حال الفرض والنفل طاعة للّه وإحسانا إلى خلقه، وقد ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلهم اللّه في ظله، يوم لا ظل إلا ظله- فذكر منهم-: ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»
وفي حديث آخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار».
وهذه مرتبة تعد ترجمانا عمليا للخصال السابقة لأن بذل المال شاق على النفس، لمحبتها إياه، وهي دليل على محبة الإنسان لأخيه، فيساعده لينقذه من آفات الفقر والحاجة، كما أن الصدقة تزكية للمال وتطهير له.
8- ومن فرضا ونفلا: وفيه تسأم روحي عن التعلق بالماديات، والإقبال على عبادة اللّه، ومن أكبر المعونة على كسر حدّة الشهوة، كما
ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه عن ابن مسعود عنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»
وهو أيضا تزكية للبدن، كما
في الحديث الذي رواه ابن ماجه عنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «والصوم: زكاة البدن»
أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئةطبعا وشرعا، كما قال سعيد بن جبير: «من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ.
9- العفّة وحفظ الفروج عن المحارم والمآثم، إلا عن المباح، كما قال تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ [المؤمنون 23/ 5- 7]. ومن اخترق حرمة الفروج وزنى، هان عليه اختراق حرمات الدين كلها، ومن صان فرجه وعفّ نفسه، كان من الطاهرين الأصفياء الذين استحقوا رضوان اللّه تعالى.
ويلاحظ أن بين المرتبتين الأخيرتين تجانسا، فالصّوام إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة الباطنية من عبادة اللّه، والأعفّاء حفظة الفروج إشارة إلى الذين لا تمنعهم شهوة الفرج عن العبادة.
10- الذّكر الكثير للّه تعالى: وهو استحضار عظمة اللّه تعالى في القلب، وتنزيهه باللسان عن كل نقص، ووصفه بكل كمال في جميع الأحوال، بنية صادقة للّه.
ويلاحظ أن اللّه تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر «الذّكر» قرنه بالكثرة، ليرشدنا إلى أنه لا يصير الإنسان ذاكرا حتى يداوم على الذكر قائما وقاعدا ومضطجعا، وهذا مروي عن مجاهد. وقد يصبح ذاكرا بصلاة التهجد ليلا، كما
أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين اللّه كثيرا والذاكرات».
ويكون الذكر أيضا بالصلاة وفي الأكل والشرب والمشي والبيع والشراء والركوب والهبوط، وغير ذلك من الأحوال في غير أماكن القاذورات، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران 3/ 191].
وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب 33/ 41- 42].
وقد ختمت هذه الآداب بالذكر لأن صحة جميع الأعمال الدينية من إسلام وإيمان وقنوت وصدق وصبر وخشوع وصدقة وصوم بذكر اللّه تعالى وهي النية.
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون اللّه كثيرا والذاكرات».
وأخرج أحمد أيضا عن معاذ الجهني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن رجلا سأله، فقال: أيّ المجاهدين أعظم أجرا يا رسول اللّه؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: أكثرهم للّه تعالى ذكرا، قال: فأيّ الصائمين أكثر أجرا؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: أكثرهم للّه عز وجل ذكرا، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:أكثرهم للّه ذكرا» فقال أبو بكر لعمر رضي اللّه عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير،
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أجل».
ثم ذكر اللّه تعالى جزاء هؤلاء جميعا فقال:
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً أي إن اللّه تعالى هيّأ لهم مغفرة تمحو ذنوبهم وأجرا عظيما وهو الجنة.

المبحث السادس
فقه الحياة أو الأحكام
تضمنت الآية كما وضح في تفسيرها عشرة آداب أمر اللّه تعالى بها، وهي تجمع أصول الإسلام في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك والعمل الاجتماعي البناء في إطار من النية الصادقة والإخلاص للّه عز وجل وهو المراد بذكر اللّه كثيرا.
وقد بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه دعامة الإسلام، وأتبعه بالقانت:
العابد المطيع، ثم الصادق: الذي يفي بما عوهد عليه، والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات وقت الرخاء والشدة (أو المنشط والمكره) والخاشع: الخائف للّه، والمتصدق بالفرض والنفل، والصائم فرضا ونفلا، وحافظ الفرج عما لا يحلّ من الزنى وغيره، وذاكر اللّه كثيرا في أدبار الصلوات وغدوّا وعشيا، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم، وفي الذكر فوائد كثيرة محورها ربط المؤمن باللّه تعالى في جميع الأحوال. قال مجاهد: لا يكون ذاكرا للّه تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. وقال أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه: من أيقظ أهله بالليل، وصلّيا أربع ركعات، كتبا من الذاكرين اللّه كثيرا والذاكرات.
ـ[التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج]ـ
المؤلف : د وهبة بن مصطفى الزحيلي
الناشر : دار الفكر المعاصر - بيروت ، دمشق
الطبعة : الثانية ، 1418 هـ
عدد الأجزاء : 30
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة تفاسير]
            الفصل الرابع: مصادرالتّربيّة الإسلاميّة


Tidak ada komentar:

Posting Komentar