Minggu, 06 November 2011

BAB 1




الفصل الأول
مفهوم التربية الإسلامية
 فإنّي جعلته اربعة مباحث:
 المبحث الأول : عن مفهوم التّربيّة 
المبحث الثانى : أهمية التربية
المبحث الثالث : دلالة وصف التّربيّة بأنّها إسلاميّة    
المبحث الرابع : أهداف التّربيةالإسلاميّة
المبحث الخامس : مصادرالتّربيّة الإسلاميّة


المبحث الأول :
عن مفهوم التّربيّة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول    : عن مفهووم التّربيّة لغة واصطلاحا
المطلب الثانى  : عن مفهوم التّربيّة فى الدّراسات الإجتماعيّةالحديثة
المطلب الثالث : أساليب التربية
المطلب الرابع  : أصول النّظريّة التربويّة فى القرآن


المطلب الأول
عن مفهووم التّربيّة لغة واصطلاحا
 ا لتربيّة لغة:
   إذارجعنا إلى معاجم اللغة العربيّة وجدنا لكلمة " التّربيّة " أصولا لغويّة منها:
الأصل الأول: ربّ – يربّ بوزن مدّ – يمدّ بمعنى أصلحه, وتولىّ أمره, وساسه
وقام عليه ورعاه. ومن هذالتّعريف قول حسن ابن ثابت كما أورده ابن                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          منظورفي لسان العرب:                       
                    ولأنت أحسن إذابرزت لناصر يوم الخروج بساحة القصر
من ضرّة بيضاء صافية مماتربب حائرالبحر (1)
الأصل الثّانى: ربا – يربو بمعنى زاد  ونما, كما قال تعالى: ...وَتَرَى  الْأَرْضَ
 هَامِدَةً  فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (2).
               ورب المعروف والصنيعة والنعمة:أي نماها وأتمّها وأصلحها(3).


الأصل الثالث: ربي – يربي على وزن خفي – يخفي بمعنى نشأ وترعرع (1). وعليه قول ابن الأعرابى: 
فمن يك سائلا عنّي فإنّي  بمكّة منزليّ وبها ربيت
  ا لتّربيّة اصطلاحا:
    قدعرّفهاالدكتور أحمد زكي بقوله:"هي النّظام الإجتماعيّ الذي يحدد الأثرالفعال للأسرة والمدرسة وتنميّة النّشءمن النّواحيالجسميّة والعقليّة والأخلاقيّة, حتّي يمكنه أن يحيا حياة سويّة فى البيئةالتي يعيش فيها"(2).
وقال صحبي طه رشيد,التّربيّة هي: " تنميّة جوانب الشّخصيّة الإسلاميّةالفكريّة والعاطفيّة والجسديّة والإجتماعيّة وتنظم سلوكهاعلى أساس مبادئ الإسلام وتعاليمه بغرض تحقيق أهداف الإسلام فهي شتّى جوانب الحياة "(3).
   وقال الإمام راغب الأصفهانى: "الربّ فى الإصل التّربيّة, وهو إنشاء الِشيء حالا فحالاإلى حدّ التّمام "(4). وقد استنبط الأستاذالأ لبانى من هذه الأصول اللّغويّة ومما قاله الأصفهانى أنّ التّربيّة تتكوّن من العناصر التّالية:
   1. المحافظة على فطرة النّاشئ ورعاياتها
   2. تنمية مواهبه واستعدادته كلّها, وهي كثيرة متنوّعة
   3. توجيه هذه الفطرة وهذه المواهبه كلّها
   4.التّدرج فى هذه العمليّة, وهو ما يشير إليه البيضاوي بقوله:"...شيئا فشيئا " والرّاغب                                                                                                                                                                                                                                                                           اللأصفهانى "حالا فحالا "(5).
     وقال الشيخ الأمين محمد عوض, التّربيّة هي: " تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه اللفظى والعملى على أساس الدّين الإسلاميّ, فهى تهتمّ ببناء الشخصيّة المسلم الذي سيبنى المجتمع الإسلامي القويم القادر على مواجهة أخطار أعداء الدّين الإسلاميّ والعمل على نشر كلمة الله فى الأرض "(1).
    وقال الإمام الرّازي في تفسيره, التّربيّة هي: "عبارة عن إبقاء الشيءعلى اكمال أحواله وأحسن صفاته "(2).
    وقال عزّالدّين التّميمى عن التّربيّة هي : " تربيّة القيّم التي بها وحدها صلاح الحياة البشريّة, وبها وحدها لتحقيق التّوازن الكامل في شخصيّة الفرد لأنها التّربيّة التي تجمع بين الإيمان والخلق والعلم,ولا معنى للتّربيّة إذا أنكرت هذه العناصر"(3).  
    وقال الدّكتورعلي عبد الحليم محمود, التّربيّة هي: " تلك العمليّة التّعليميّة التربويّة المتّجهة من الكبار إلى الصّغار, بقصد تنشئتهم تنشئة حسنة, تحقق لهم إنسنيتهم التي كرّمهم الله سبحنه بها, حسب مراحل نموّهم, في ظلّ مدرسة إسلاميّة فى معلميها وكتبها ووسائلها,ومنهجها ومبانيها ومعانيها, ليشبّوا على الإيمان بالله واليوم الآخر والملا ئكة والكتب والرّسل والقضاء والقدر, وما يستوجبه هذاالإيمان من عمل صالح,وتقيّد بنهج الله تعالى فى العبادة والمعاملات والأخلاق, ليستطيعوا بذلك تحقيق سعادات المعاش والمعاد "(4).    
   وأمّاالتّربيّة عند علماء التّربيّة المعاصرة هى كما قال الأستاذ محمد عبد االرّحمن الداخل والأستاذ نبيل أحمد عبد الهادي : " وتطلق التربيّة على كلّ عملية أو مجهود أو نشاط تؤثر فى قوة الإنسان أو تكوينه, أن يكون مصدرهذه القوّة سواء كان الإنسان نفسه أوالمجتمع أوالبيئة الّتي يعيش فيها. لذلك فإنّ الإنسان خاضع باستمرار لعمليات تغير فى تكوينه الجسمي
والعقلي والخلقي وهذه العمليات هي التّربيّة. أمّا مفهوم الشّامل للتّربيّة هي: الوسيلة الّتي تساعد الإنسان على بقائه واستمراره ببقاء قيمه وعاداته ونظمه السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة "(1).
    وبعد هذه الجولة في دلالة اللفظ وعمق جدوره فى المعاجم العربيّة وأقوال اعلماء المستغلين بالتّربيّة الإسلاميّة. نعود فنقول التّربيّة الإسلاميّة هي: نظام إجتماعيّ يحدد الأثر الفعال للأسرة والمدرسة في تنميّة النّشئ من النّواحي الجسميّة والعقليّة والخلقيّة حتّى يتمكن الفرد بتلك التّربيّة من أن يحيا حياة سويّة فى البيئة الّتي يعيش فيها,  فالتّربيّة عملية عامة لتكييف الفرد حتّى  يتلائم مع تيار الحضارة التي يعيش فيها, وعبارة عن إنشاء الشّيئ إلى كماله تدرّجا أي قليلا  فقليلا وإبقاءه على أحسن حاله أي الإستقامة على الأحوال الحسنة الطيّبة الإسلام وفق تعاليم وتوجيهات الشّريعة الإسلاميّة.



ا لمطلب ا لثانى
عن مفهوم التّربيّة فى الدّراسات
الإجتماعيّةالحديثة
    وعلى الرّغم أنّ كلمة التّربيّة بهذااللفظ حديثة نسبيّا فى اللّغات الأوروبيّة إذلم تعرف فى المعجم الفرنسيّ قبل عام 1527 م وهو نقل عن اللاتينيّة قام به أصحاب النّزعة الإنسانيّة فى عصر النّهضة الأوربيّة, فقد كانت اللاتينيّة تستخدم الكلمة للدلالة على تربيّة النّباتات أوالحيوانات, وللدلالة على الطعام,وعلى تهذيب بنى البشر دون تفريق بين هذه الأحوال جميعها. وفى عام 1649م لم يكن المجمع العلمى الفرنسي يعرف غير معنى تكوين النّفس والجسد, ويجعل منها ومن التّعليم شيئا واحدا.
   امّا الفلاسفة الغربيّون: فمنهم من يرى التربيّة هى: تكوين الفرد من أجل ذاته, بإيقاظه ميوله الكثيرة, ومنهم من يراها تكوين الأفراد تكوينا إجتماعيّا, ومن يراها: جعل الفرد أداة سعادة لنفسه ولغيره, ومنهم من يراها جميع ما نقوم به من أجل أنفسنا وما يقوم به الآخرون من أجلنا بغية الإقتراب من كمال طبيعتنا. ثمّ تطور مفهوم الكلمة عندهم بعد ذلك تطورا كبيرا.




المطلب الثالث:
أساليب التربية الإسلامية
      أساليب جمع من الأسلوب وهو: الطريق ويقال سلكت أسلوب فلان في كذا طريقته ومذهبه وطريقة الكاتب في كتابته والفن يقال أخذنا في أساليب من القول فنون متنوعة والصف من النخل ونحوه جمعه: أساليب(1).
التربية الإسلامية كما تضمنها القرآن الكريم والحديث الشريف تربية شاملة كاملة متوازنة، تسعى لتحقيق النمو لجميع جوانب الشخصية الإنسانية وقد نهجت التربية الإسلامية أساليب ووسائل لتحقيق أهدافها. وفيما يلي أهم أساليب التربية الإسلامية:
 الأول: القدوة الحسنة.
يرى الإسلام أن القدوة أعظم أسلوب من أساليب التربية، فيقيم تربيته الدائمة على هذا الأساس، وكان المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم، هو القدوة الصالحة لأمة الإسلام، وهي المثل الذي يجب الإحتذاء به. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (2)

الثاني: الموعظة الحسنة.
من أساليب التربية الإسلامية الموعظة الحسنة، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(1)
أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح { بِالْحِكْمَةِ } أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده.
ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به. وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان [المدعو] يرى أن ما هو عليه حق. أو كان داعيه إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها. وقوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } علم السبب الذي أداه إلى الضلال، وعلم أعماله المترتبة على ضلالته وسيجازيه عليها. { وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } علم أنهم يصلحون للهداية فهداهم ثم منَّ عليهم فاجتباهم(2).. والموعظة المؤثرة تفتح طريقها إلى النفس المباشرة عن طريق الوجدان، وتهزه وتثير كوامنه لحظة من الوقت، والموعظة في التربية وحدها غير كافية إذا لم يكن بجانبها القدوة المنظورة الملموسة.
الثالث: الترغيب و الترهيب.
لا تغفل التربية الإسلامية أي أسلوب توجه به الإنسان وترشده، فإذا لم يفد أسلوب القدوة و الموعظة لجأت إلى أسلوب الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. وقد استخدم القرآن الكريم والحديث الشريف بهذا الأسلوب.
الرابع: التربية بالقصة.
للقصة في التربية الإسلامية وظيفة تربوية  لا يحققها لون آخر من ألوان الأداء اللغوي. والقصة تؤثر في نفس قارئها وسامعها. قارئ القصة وسامعها لا يملك موقفا سلبيا من شخومها وحوادثها واستخدامها في التربية يساعد على ايضاح وتفسير وتذليل ما يصادف المعلم من صعوبات وتعقيدات في ايصال الحقائق إلى المتعلمين وأكثر ما تؤثر في النفس. وقد تضمن القرآن الكريم والحديث الشريف قصصا تربوية هادفة.
 الخامس: التربية بالعادة.
أسلوب التربية بالعادة من أساليب التي استخدمها الإسلام وسيلة من وسائل التربية لتحويل الخير كله إلى عادة تقوم بها النفس بغير جهد وبغير مقاومة. وبدأ الإسلام بإزالة العادات السيئة التي وجدها سائدة في البيئة العربية، وقد اتخذ لذلك احدى وسيلتين، إما القطع الحاسم وإما التدرج البطئ حسب نوع العادة التي يعالجها وطريقة تمكنها من النفسِِِ.
 السادس: التربية بالأحداث.
وقد ميز التربية بالأحداث على غيرها من وسائل التربية أنها تحدث في النفوس حالة خاصة، هي أقرب إلى الإنصهار. وقد قام القرآن الكريم وهو يربي الأمة الإسلامية في منشئها باستغلال الأحداث في تربية النفوس استغلالا عجيبا و عميق الأثر. وكان من نتيجته بروز أمة عظيمة في التاريخ شهد لها خالقها بأنها خير أمة على وجه الأرض, قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (1)
السابع: التربية بالأمثال .
يعد أسالوب الأمثال من أهم الأساليب في عملية التربية لما له تأثير إيجابي في إثارة العواطف و المشاعر و في تحريك دوافع الخير في النفس البشرية ، وفي تقريب المعاني
و المجردات للأذهان في صورة محسوسة .
وللأثر التربوي الذي تحدث الأمثال فقد اهتمت به التربية الإسلامية بهدف التعليم و أخذ العبرة و الموعظة.(2)
يقول سبحانه و تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (3)
 الثامن: التربية بالممارسة والتوجيه العملي.
يعد الأسلوب العملي أرسخ للفهم و التعليم و الإيضاح حيث يتحول القول إلى فعل
 و النظرية إلى تطبيق و ممارسة. ومن أهم الفوائد التربوية لأسلوب الممارسة العملية.
·       تحقيق الربط بين العلم و نتائجه.
·       الوصول إلى أعلى درجة من الدقة و الإتقان.
·       شعور المسلم بضرورة أداء المسؤولية الواجبة عليه.
·       تحقيق سعادة الفرد في رؤيته لنتائج جهده.
·       تقليل نسبة الأخطاء و زيادة درجة الجودة.
ولقد اهتمت التربية الإسلامية بهذا الأسلوب لكونه أبلغ أثرا و أعظم فائدة فلا جدوى للأسفكار النظرية مالم تكن مقترنة بعمل صالح.
يقول تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (1).




المطلب الرابع
أصول النّظريّة التربويّة فى القرآن
     النظرية مشتقة من الفعل (نظر)، ومعناه: حاول فهمه وتقصِّي معناه وحقيقته بالفهم والتجريب والاختبار، وفي القرآن الكريم: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101](1)، وتتكرر الدعوة إلى النظر في تركيب الإنسان والحيوان والنبات، وحال المجتمعات والحضارات في عشرات السور، ويقول ابن تيمية: "والنظر جنس تحته حق وباطل، محمود ومذموم"، ويضيف: "إن النظر لا يقتصر على البصر والإبصار بالعين، وإنما هو يشترك فيه العقل والحواس جميعًا"(2).
    أما التربية - بمعناها الشامل -: تغيُّر في السلوك وتنميته إلى الدرجة التي تمكن الإنسان من الإسهام الفعَّال في تحقيق حاجات الحاضر، ومواجهة تحدِّيات المستقبل، وتسخير موارد البيئة وخبرات الماضي عبر رحلة النشأة والحياة والمصير.
    وفي العصر الحديث اتسع مفهوم النظرية التربوية لتعني التخطيط المسبق الشامل لما يراد أن يكون عليه إنسان العصر من معلومات، وما يتقنه من مهارات، وما يتصف به من قِيَم وعادات واتجاهات، ولما يراد أن تكون عليه شبكة العلاقات المنظمة لعمل المؤسسات وسلوك الجماعات المختلفة، مع مراعاة السنن النفسية وقوانين التعلُّم، ومراعاة الفاعلية التي تنتج أكبر كمية من (المُخْرَجات) مقابل أقل كمية من (المدخلات)
(3).
  
    فالأصول النظرية التربوية:التربة التي تنبت فيها أصول النظرية - أية نظرية تربوية - تتكون من عناصر ثلاثة، هي: الحاجات الحاضرة، والتحديات المستقبلية، والخبرات الماضية.
وتتعدد الأصول التربوية بتعدُّد مظاهر الحاجات والتحديات والخبرات، فهناك الأصول الإيمانية، ومحورها: بلورة (الغايات) التي يحيا وينشأ الإنسان المتعلم من أجلها.
والأصول النفسية، ومحورها: مساعدة المتعلم على اكتشاف ذاته وسنن حياته، وبلورة (هويته)، والسعي لأن يكون ما بوسعه أن يكون.
والأصول التاريخية، ومحورها: الوعي بتقسيمات الزمن إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، واكتشاف القوانين والسنن التي توجِّه هذه الأقسام الثلاثة.
والأصول الاجتماعية، ومحورها: الوعي بقوانين صحة الأمم ومرضها وموتها.
والأصول العلمية، ومحورها: القدرة على تسخير الكون واكتشاف قوانينه والانتفاع بخزائنه.
والأصول الاقتصادية، ومحورها: تفجير طاقات العمل وتنمية مهاراته بالقدر الذي يتطلبه الإنتاج والاستهلاك في العصر القائم.
والأصول النفسية، ومحورها: الوعي بالنظام البيئي وتكامل عوالمه، والتعامل معها طبقًا للسنن التي أبدعها رب هذه العوالم.
ويبقى الباب مفتوحًا لإضافة أصول جديدة كلما دلفت حِقَب زمنية جديدة، وأفرزت حاجات جديدة وتحديات جديدة
(1).




المبحث الثانى:
أهمية التربية
يزداد تدريس التربية الإسلامية أهمية في هذا العصر، الذي يوصف بأنه عصر العلم والمعلومات والتقنية الحديثة، وذلك لما للتربية الإسلامية من خصائص تجعلها صالحة للتعامل مع مثل هذه المتغيرات، فالتربية الإسلامية تمتاز بأنها تربية اجتماعية تعمل على تنظيم علاقة الفرد بأسرته ومجتمعه، وتنمي في الفرد روح الاستقامة والمبادأة، والمسؤولية. ومن هنا يتضح ضرورة تدريس مادة التربية الإسلامية بفروعها المختلفة، حتى يستطيع الفرد المسلم مواجهة ظروف العصر ومتغيراته، وهو متسلح بالعلم والشرع والقيم الإسلامية.
فالتربية الإسلامية تكتسب أهميتها من أنها:
تسمو بأخلاق الناشئة وتطهر نفوسهم، وتربي ضمائرهم وتعمل على إسعادهم.
تحدد للإنسان الأحكام والمبادئ والقواعد التي تحكم سلوكه وعبادته وعلاقته بربه.
تعين التوازن لحياة العصر التي تميزت بطغيان الناحية المادية، مما أدّى إلى الخواء الفكري والروحي، وأضعف القيم في نفوس الأفراد والمجتمع.
تعين أفراد المجتمع المسلم على مواجهة التيارات الفكرية الوافدة، من خلال توعيتهم، وتحصينهم ضد كل ما هو ضار.
تقوي الوازع الديني، وتعمل على الحد من انتشار الجرائم والانحرافات في المجتمع.
تغرس القيم التربوية الإسلامية الصحيحة التي تلازم الفرد المسلم، وهو يتطلع لركب الحضارة الحديثة، مما يجعل تقدمه نحو هذا الركب يتم وفق الضوابط الأخلاقية النابعة من ديننا الحنيف(1).


                             

المبحث الثانى:
دلالة وصف التّربيّة بأنّها إسلاميّة
   وصف أى عمل بأنها إسلامي أن هذاالعمل قد أقرته العقيدة الإسلاميّة, وجاء موافقا للشريعة الإسلاميّة هدفا وواسيلة.ومن هنا  أن قول بعضهم " الفنون الإسلامية " يدل على غفلة عن هذاالمعنى إذفى الفنون مالا تقره العقدة الإسلامية ولاترضاه الشريعة كغناء النساء للرجال ورقصهن, والأولى أن يقال: " عند المسلمين " لكي لا تضفى تسمية العمل بأنه إسلامي شرعية فى حين قد يكون هذاالعمل ليس بمشروع.
  ووصف التربية بأنها إسلامية يعنى فى صورته المجملة تحييد هذه التربية عن سواها وتحديد أبعادها وأهدافها من خلال نظرة إسلامية دقيقة, أو وزنها بميزان الإسلام فى كل مفرداتها,  ونستطيع أن نفصل هذا بعض التفصيل فيما يلى:
 أ. أن تكون الأسس التى تقوم عليها التربية  إسلامية, وهذه الأسس فى مجالنا هذا تعنى الثوابت لاالمتغيرات منها, وهى العقائد والعبادات والأخلاق, فما لم تكن هذه الثوابت من الإسلام فلا يصح أن توصف التربية بأنها إسلامية.
 - فالأساس الأول فى التربية لكى تكون إسلامية هو:العقيدة, والعقيدة فى الإسلام هى عقيدة التوحيد لله سبحانه وتعالى أى الإيمان به سبحانه إلها وربا وخالقا ورازقا, له أسماؤه وصفات هو أفعاله التى سمى بها نفسه بها. وهذه العقيدة التوحيدية تستدعى الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الأخر والقضاء والقدر, وتوجب على العاقل البصير أن يدخل فى دين الإسلام وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما توجب المعرفة الصحيحة التى جاء بها الإسلام عن الإنسان, وعن الشيطان, وعن عالم الغيب والشهادة, أى الآخرة والدنيا. هذا هو الأساس الأول الذى يجب أن تقوم عليه التربية لتكون إسلامية.
- والأساس الثانى هو: العبادة الصحيحة لله تعالى وفق ماشرع فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, وهذه العبادة تبدأ بالنطق بالشهادتين والعمل بمقتضاها:
" لا إله إلاالله " أى لامعبود سواه ولاخالق ولارازق غيره. ولا يزوز التلقى عن سواه فى أمورالدين والدنيا.
و" محمد رسول الله " أى أن شريعته واجبة الإتباع فى كل ماجاءت به أمرا أونهيا.
وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا, وفق ما لهذه العبادات من صفات وشروط ومواقيت.
وتسع مفهوم العبادة لله ليدخل فيه العدل والإحسان, والأمر بالمعرف والنهى عن المنكر والجهاد فى سبيل الله لتكون كلمة الله هى العليا, ولتشتمل على كل قول أو عمل نهى الله عنه.
-  والأساس الثالث هو :القيم الخلقية التى أقرهالإسلام وصنفها إلى :
فضائل دعالناس إلى التمسك بها        ورذائل نهى الناس عن ممرستها
ب. وأن تكون التربية – لكى توصف بأنها إسلاميّة – مستهدفة إعداد الإنسان وتعليمه  للتعامل الصحيح المشروع مع الحياة الدنيا, ومفردات هذه الحياة الدنيا كثيرة أبرزها فيما
نتصور ما يلى:
نفسه : حيث يجب أن يكون تعامل الإنسان مع نفسه تعاملا إسلاميا, فيلزم الإنسان نفسه بكل ما ألزم الله به, وينهاها عن كل ما نهى الله عنه ويزكيها بالعبادات وفعل الخير والتقرب إلى الله بصالح الأعمال من النوافل بعد أداء الفرائض.
والأقاريب والأرحام: ابتدء من الوالدين والأبناء وامتدادا إلى كل من تربطه به صلة قرابة, فلكل واحد من هؤلاء تعامل أمر به الإسلام فى نصوصه الموثوقة وفى الكتاب والسنة.
والجيران والأصدقاء : ولكل أسلوب فى التعامل أمر به الإسلام.
وغير المسلمين : حيث أوضح الإسلام كيفية التعامل معهم, ونفى عن هذاالتعامل أى ظلم يقع عليهم, وأى إكراه لهم على الدخول فى دين الإسلام.
     ولاتوصف التربية بأنها إسلامية إلا إذا أعدت الإنسان هذاالإعداد الذى يمكنه من إحسان التامل مع نفسه ومع مايحيط به من ناس وأشياء.
   وليست هذه الصورة التى تعد التربية الإسلامية الإنسان خيالية أو صعبة التحقيق والممارسة, لأن الله تعالى لايكلف الله نفسا إلا وسعها, وما جعلى علينا فى الدين من حرج , فهو إعداد يكفل للناس أن يعيش فى أمن وسعادة وتعاون على البر والتقوى بحيث يمارسون الحياة الإنسانية الكريمة التى أرادها الله تالى للإنسان الذى كرمه وفضله على كثير ممن خلق.
ج. ووصف التربية بأنها إسلامية يستدعى أن تكون لهذه التربية قدرة على التعامل مع المستجدات والمتغيرات, أى تلك المرونة والأفق الواسع والنظرة الشاملة العميقة لكل ما يطرأ على الحياة الإنسانية من متغيرات.
- هذه القدرة عل التعامل مع هذه المستجدات تعنى النظرة فى هذه المستجدات لقبول مالا يتعارض مع منهج الإسلام فى شيئ ورفض ما يتعارض فى أى مجال من مجالات الحياة, فكريا, أوثقافيا, أو علميا , أو سياسا, أو إقتصاديا, أو إجتماعيا, وذلك أن الإسلام له نظام لكل مجال من هذه المجالات, نظام يجعل الحياة الإنسانيّة على أفضل مستوى يحقق للإنسان كل مطالبه المشروعة.
- فالتربية إذا لم تستطع أن تتعامل مع هذه المستجدات فلايصح أن توصف بأنها إسلامية.
- ولابد من غض النظر عن مصدر هذاالمستجد, وعن الدواعى التى أدت إليه, لأن علم الإنسانية كلها ملك لكل بنى الإنسان إذ هو منحة من الله للإنسان.
- ووصف التربية بأنها إسلامية, يستوجب أن تفتح الباب على مصراعيه للعقل البشرى يبدع كما يشاء, ويكون له حضور فى كل عمل وكل أمل, العمل الذى يمارسه المسلم فى مجالى الفعل والترك, والأمل الذى يطمح إليه فى الحياة.
- إن التربية  لاتكون إسلامية مالم تعط للعقل حق الفكر وحق العلم وحق الإبداع فى كل مجالات الحيات , مادام لم يصطدم فى ذلك مع قائدة شرعية, وما هو بمصطدم أبدا طالما يفكر تفكيرا صحيحا, فإ ن ن المسلمات  أن العقل لايصطدم مع الشرع.
- والإسلام لايقبل الحجر على العقل ولاتقييده بتلك القيود التى قيدته بها البشرية
         فى عصورها المختلفة, بل القيود التى فرضتها بعض الأديان قبل ظهور الدين             الخاتم.
- ومن لحقائق المقررة فى الإسلام, ماقرره علماء أصول الفقه فى مجال عمل لعقل وتوافقه أوتعارضه مع الشرع, حيث قالوا: " إذا حدث تعارض بين العقل والشرع أخذ بما استند منهما إلى دليل القطعى, فإنكان الدليلان ظنيين أخذنا بدليل الشرع فهو أولى بالاتباع, حتى يثبت الدليل العقل أو بنهار".  وتلك صورة من صور حرية العقل التى أتاحها الإسلام للإنسان تكريما له, وللعقل الذى هو منحة من الله تعالى , بل نعمة كبرى ميزت الإنسان عن كثير ممن مخلوقات الله تالى غير العاقلة أو غير المكلفة.
- ووصف التربية بأنها إسلامية, يحتم عليها وعلى مناهجها أن تضع فى حسبانها أن الإنسان أكرم نخلوقات الله تعالى وأعظمها حرمة عنده, حتى لقد ثبت فى السنة النبوية أن لمسلم أعظم حرمة عند الله تعالى من الكعبة المشرفة.
- ومعنى ذلك أن التربية لكى تكون إسلامية يجب أن تقدر الإنسان حق قدره وأن تكفل له سائر حقوقه وحرياته, وأن تعينه على أداء واجباته, وذلك يتطلب أن يكون منهج التربية الإسلامية من حيث المعلم والكتاب  والوسيلة والخطة قادرا على تحقيق احترام الإنسان واحترام حقوقه كلها.
- ومن الحقائق المسلم بها فى الإسلام أنه حرم الظلم, - وانتقاص الحقوق ظلم – تحريما مطلقا, حتى لوكان من يقع عليه أدنى ظلم مخالفا للإسلام فى عقيدته, تلك مسلمات فى الإسلام لا تغيب إلا عن غافل بأحكام الشريعة, أو راغب فى تشويه الإسلام وقيمه ونظامه. وهذه الحقيقة نابعة من صميم الدعوة الإسلامية, لأن الناس أمام الدعوة نوعان : أمة الإجابة وهم المسلمون, وأمة الدعوة وهم غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين وعبدة الأوثان وعبدة غير الله تعالى, وهؤلاء أن توجه إليهم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة, والجدال بالتى هى أحسن, وكيف يكون ذلك مع انتقاص شيء من حقوقهم فضلا عن إبقاء أى ظلم بهم ؟
- ووصف التربية بأنها إسلامية يستوجب أن تحسن التعامل مع الفطرة الإنسانية التى فطر الله الناس عليها, فلا تكلفها مالا تطيق ولا تترركها دون تكاليف – لأن منهج الله تكاليف – وبين هذين الحدّين تعمل التربية الإسلامية, وهى تربى الإنسان وتوازن بين طاقته الروحية والعقلية والبدنية , بحيث لاتطغى حاجات طاقة على حاجات غيرها, وبحيث تعبر كل طاقة عن نفسها فى شرعية رسمها الإسلام, وبحيث لاتكبت طاقة أويحال بينها وبين التعبير عن نفسها.
- إنها تربية التوازن والإنسجام بين طاقة الإنسان, التوازن الذى يحقق للإنسان تجاوبا مع الحياة الإنسانية الكريمة, فلاتسحق روحه لصاله بدنه, ولا يسحق بدنه لصاله روحه , ولا يفتن بعقله فيجمح به فى الأوهام والترهات.
- إنها التربية التى تزن الإنسان بميزانه الصحيح, وتعطيه الحق كل الحق فى التعبير عن رغباته كلها, فى إطارما أحل الله وتهذب له هذه الرغبات وتكبح جماحها إذا اتجهت إلى ماحرم الله تعالى. وبعد : فهذا مايعنيه وصف التربية بأنها إسلامية, وليس من الصواب ولا من الإنصاف أن توصف التربية بأنها إسلامية وهي خالية من هذه النقاط التى ذكرناها.
 

المبحث الثالث:
 أهداف التربية الإسلامية

    إن التربية الإسلامية تربية هادفة قبل كل شيئ فهي إبتداءا ربانية وضع الله سبحانه وتعالى أساسها، وجعلها شريعة جمعاء، بمعنى أن لله سبحانه وتعالى وضع الهدف الشامل السامي لهذه التربية، فكانت التربية الإسلامية في المجتمع المسلم وثيقة الصلة بأهداف الإسلام ومتطلبات رسالتها. لذلك " تحددت سياسات المؤسسات التعليمية في الإسلام، بحيث تهدف جميع العناصر التربوية إلى نشر العلم المتناسق مع طبيعة المنهج االرباني. ولا تقصد التربية في الإسلام لذاته، بل هي وسيلة لتحقيق العبودية الحقة لله عزّ وجلّ"(1)، قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فاطر/28 . [ فاطر :28](2).
ولأهمية أهداف التربية الإسلامية، فإن العلوم الشرعية تتقدم في المنزلة والمكانة جميع العلوم، فهي تفيد ( معرفة المكلف من أمر عبادته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته وما يجب به من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص ومدار ذلك على التفسير و الحديث و الفقه ) (3)، ومن أهداف التربية الإسلامية هي :

1- تحقيق العبودية لله عزّ و جلّ
إن غاية وجود الإنسان تتمثل في الوظيفة الموكولة إليه من قبل استخلافه في الأرض، وهي العبودية الحقة لله، بأن يكون هناك عبد يعبد ورب واحد يُعبَد، وأن تستقيم تنظيم حياة البشر ضمن هذه الغاية.
لذا فإن جميع الجوانب التربوية الإسلامية تهدف إلى تنشئة وإعداد الإنسان الذي يعبد الله ويخشاه فيكون مسلما عابدا عالما مؤتمرا بأوامر الله سبحانه وتعالى منتهيا عن نواهيه وذلك إنطلاقا من قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ [الذاريات:56](1).
فغاية التربية الإسلامية هي تحقيق العبودية  الخالصة لله في حياة الإنسان، على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية وقيام الإنسان بمهامه المختلفة لعمارة الكون وفق الشريعة الإسلامية .
2- القرب من الله والفوز بالثواب
لقد وجه الباري عزّ وجلّ عباده إلى الموازنة بين متطلبات الدنيا ومتطلبات الأخرة، على أن يكون الدنيا هي المعبر، والأخرة هي المطلب والمقصد، قال تعالى:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ  القصص : 77 ](2) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) (3) ، فعلم الشريعة خير سبيل لنفع العباد، و تقريبهم من الله.
3- الأداء الأمثال للتكاليف الشرعية
لا تتضح معالم الشريعة، ولا تُعرف أحكام الدين، إلا عن طريق التعليم الإسلامي، فهو الطريق الأمثل للوصول إلى مراد الشارع، قال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }  [ النحل :89](4).

ولأجل كمال الطاعة، يوجه الإمام ابن تيمية المتعلم لأن تكون همته فهم مقاصدالرسول صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه و سائر كلامه، فإذا اطمأنّ قلب المتعلم أن هذا الأمر هو مراد الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعدل عنه فيما بينه و بين الله    تعالى، ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك.
كما أخبر به  النبي صلى الله عليه وسلم عَنِ بن عَبَّاسٍ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ ) [1] ، ذلك لأن العلم في الإسلام لا يقصد لذاته وإنما هو وسيلة لتقوى الله، ومعرفة أحكامه و حدوده، فلا ينفصل العلم في الإسلام عن العمل به. إذا أردنا تحقيق العبودية لله تعالى في ظلاله، لذا فإن العمل بالعلم مطلب شرعي يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وعن أبي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ) [2].
4- إعداد الإنسان الصالح المصلح
من أهم غايات التربية الإسلامية، الرقى بالإنسان في إطار المنهج الإلهى، ليكون صالحا مصلحا، آمرا بالمعروف ومعينا على فعله، ناهيا عن المنكر داعيا إلى الله تركه، يسمو بإيمانه من ثقلة الأرض إلى سمو القيم الربانية.
لقد هدى القرآن الكريم إلى أهمية الهدى الإلهى في الإعداد التربوي للإنسان، قال تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِه لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً  [ النساء : 66]، وقالى تعالى: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170].
ويقول الأستاذ محمد قطب : " تلتقي مناهج التربية الأرضية على أن هدف التربية هو اعداد المواطن الصالح، وتختلف الأمم بعد ذلك في تصور هذا المواطن وتحديد صفاته، أما الإسلام فلا يحصر نفسه في تلك الحدود الضيقة ولا يسعى لإعداد المواطن الصالح وإنما يسعى لتحقيق هدف أكبر وأشمل هو اعداد الإنسان الصالح، الإنسان على إطلاقه،بمعناه الإنسان الشامل، الإنسان بجوهره الكامل في اعماقه، الإنسان من حيث هو الإنسان، لا من حيث هو المواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان.. وذلك معنى أشمل ولاشك من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين" [3].
ومن هنا فقد أسهمت التربية الإسلامية في صياغة وإعداد الإنسان الصالح المصلح، الذى يحمل في شخصيته المثل العليا التى رقت بصاحبها فوق اعتبارات المصلح الذاتية.

المبحث الرابع
مصادرالتّربيةالإسلاميّة
    فلكل تربيةٍ من أنواع التربية قديمةً كانت أو حديثةً ، مصادر معروفة تستمد منها أصولها الثابتة الراسخة ؛ و تستقي منها منهجها وإطارها الفكري الذي نبع من تلك الأصول وتشَّكل في صورته النهائية . ومن ثم تتم ترجمته إلى واقعٍ مُعاشٍ و ممارساتٍ تربويةٍ ماثلةٍ للعيان .        
ولأن التربية الإسلامية نابعةٌ من الدين الإسلامي الحنيف ؛ فإن مصادرها هي نفس مصادر الدين الإسلامي التي تعتمد عليها التربية الإسلامية في بناء و تحديد معالم نظامها التربوي
وهنا أُشير إلى أن كثيراً من الكُتاب في عصرنا الحاضر قد أشاروا إلى أن مصادر التربية الإسلامية هي : ( القرآن الكريم ، و السُنة النبوية المطهرة ، وأقوال الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - ، والإجماع ، و الاجتهاد ، و القياس ، و المصالح المرسلة ،إلخ ) . مستندين في زعمهم ذلك إلى أن مصادر التربية الإسلامية هي نفسها مصادر التشريع الإسلامي إلا أنني أرى - من وجهة نظري - أن ذلك أمرٌ ليس على اطلاقه ، ويحتاج إلى تمحيصٍ وتدقيقٍ وإعادة نظر ؛ فمصادر التربية الإسلامية كعلمٍ من العلوم التربوية تتمثل في المصادر التالية :
1- القرآن الكريم الذي يُعد المصدر الأول و الأساسي للتربية الإسلامية لما فيه من تشريعات إلهية و توجيهات تربوية ربانية تهدي إلى الحق ، و إلى الطريق المستقيم ، وتهدف إلى إصلاح النفس البشرية و إسعادها في الدنيا و الآخرة . قال تعالى : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } ( سورة الاسراء : من الآية 9 )(1).
2 - السُنة النبوية المُطهرة التي تُعد مصدراً رئيساً من مصادر التربية الإسلامية ، لما فيها من الهدي النبوي العظيم المستمد في الأصل من كتاب الله العظيم ، ولما فيها من توضيحٍ وبيانٍ لمنهج التربية الإسلامية الذي جاء مجملاً في القرآن الكريم ؛ إضافةً إلى كونها جاءت بتشريعاتٍ ، و توجيهاتٍ ، وآدابٍ نبويةٍ أخرى لم ترد في القرآن الكريم ؛ وإنما تم استنباطها من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعالم شخصيته المتميزة التي جعلها الله سبحانه أُسوةً حسنةً و قدوةً متجددةً على مر الأجيال
3- منهج وتراث السلف الصالح ويشمل مجموع اجتهادات ، وآراء ، وأفكار العُلماء ، والفقهاء ، و المفكرين ، و المربين المسلمين في مجال التربية عبر التاريخ الإسلامي ، إضافةً إلى ما تزخر به سيرهم الخالدة من مواقف تربوية مختلفة ؛ شريطة أن يكون هذا التراث متفقاً وغير متعارض مع ما جاء في كتاب الله العظيم و سُنة نبيه الكريم ، ومضبوطاً بالضوابط الشرعية ؛ و مُحققاً لأهداف التربية الإسلامية وغاياتها السامية.
4 - الصالح من الفكر التربوي المُعاصر والمُستجد : ويُقصد بذلك مجموع الدراسات والأبحاث والملاحظات العلمية والطروحات الفكرية التربوية المُعاصرة التي يُمكن الإفادة منها في القضايا والمشكلات التربوية المختلفة ، لاسيما وأن المجال التربوي يُعد مُتطوراً ومُتجدداً وغير ثابتٍ أو مستقر ؛ فكان لا بُد من الانفتاح المُنضبط والإيجابي على مُختلف المعطيات الحضارية المُعاصرة شرقيةً كانت أو غربية ؛ للإفادة مما وصل إليه التقدم العلمي في مختلف المجالات ، مع مراعاة أن تتم الإفادة من الجانب الإيجابي فيها ، والذي لا يتعارض بأي حالٍ مع ثوابتنا الشرعية وتعاليم ديننا السمحة .
والمعنى ؛ أن مصادر التربية الإسلامية كعلمٍ تربوي تمتاز وتنفرد عن غيرها من أنواع التربية الأخرى بكونها تجمع بين نوعين من المصادر هما:
أ - المصادر الإلهية ( الأصلية ) المتمثلة في المصدرين الأساسيين ( القرآن و السُّنة ) لأنهما يشتركان في كونهما جاءا وحياً من الله سبحانه ، فقد روي عن المقداد بن معد يكرب - رضي الله عنه- أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه" ( رواه أحمد و أبو داود ) .
ب ) المصادر البشرية ( الفرعية ) التي تتمثل في كلٍ من : تراث السلف الصالح لهذه الأمة وفكرهم التربوي سواءً كان ذلك الفكر في الماضي أو الحاضر ، والصالح من الفكر التربوي المُعاصر والمُستجد ؛ شريطة أن يتفق هذا التُراث البشري قديماً كان أو حديثاً ، مع ما جاء في المصادر الأصلية ، ولا يتعارض معه بأي حالٍ من الأحوال(1) .

                                            














(1) لسان العرب للعلامة ابن منظور
(2) سورة الحج:5
(3) المعجم الوسيط, إبرهيم أنيس وآخرون (ج/3,ص/262)

(1)  المعجم الوسيط : ص 346
(2)   د. أحمد زكي : معجم المصطلاحات العلوم الإجتماعية : 1270 لبنان . د . ت
(3)  التربية وأساليب تدريسها _ الطبعة الثانية, ص 9
(4)  ابو القاسم حسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهانى  المتوفى سنة 502 ه 
(5)  منهج التربية فى تصور الإسلامي لدكتور على أحمد مذكور, ( 265-266)
(1)  أساليب التربية والتعليم فى الإسلام  ص : 34
(2)  مفاتح الغائب, الإمام محمد الرازي  ابن العلامة ضياء الدين عمر المشتهر بخطيب الرأي ( ج : 13 ص : 303)
(3)  نظرات فى التربية الإسلامية , ص : 17
(4)  سلسلة مفردات التربية الإسلامية " التربية الروحية " . للدكتور على عبد الحليم محمود . ص : 20  دار التوزيع والنشر الإسلامية 1415 ه                                            
(1)  مدخل إلى التربية العامة 6 , محمد عبد الرحمن الداخل ونبيل أحمد عبد الهادى دار الخارزي للنشر والتوزيع (ص: 6)
(1) المعجم الوسيط – موافق للمطبوع، ج1، ص44.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 21
(1) النحل: 125
(2) http://www.imadislam.com/tafsir/016_05.htm
(1) سورة ال عمران، الآية: 110
(2) التربية الإسلامية الأصول والتطبيقات لمحمد عبد السلام العجمي، ص: 137
(3) سورة العنكبوت، الآية:43.
(1) سورة الرعد، الآية: 29.
(1) يونس: 101
(2)  ابن تيمية، "الفتاوى الكبرى"، كتب السلوك، ج 1، ص 486
(3) راجع كتاب "التربية والتجديد"؛ للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، ص 11.
(1)  http://www.alukah.net/
(1) فصول في تدريس التربية الإسلامية، لدكتور حسن جعفر الخليقة و كمالدين محمد هاشم.ص: 15
(1)  أهداف وخصائص التعليم الإسلامي , د فاروق عبد المجيد السامرائي ( ص : 18 )
(2)  فاطر :28
(3) فتح الباري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ( ج : 1، ص :170
(1) الذاريات:56
(2) القصص : 77
(3) المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري (ج 1 ص 165). هذا حديث على شرط                                                                         الشيخين ولم يخرجاه واللفظة التي أسندها زائدة قد وقفها غيره
(4) النحل :89
[1]. مسند أحمد ، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ،( ج : 6 ، ص :186)
[2]. الجامع الصحيح سنن الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي  ج :42 ، ص :612 بَاب ما جاء في                                                          شَأْن الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ
[3]. منهج التربية الإسلامية للأ ستاذ محمد قطب (ج: 1 ص: 13).
(1)  سورة الاسراء : من الآية 9
(1) هل التربية الإسلامية أُحادية أم ثُنائية المصدر؟ للدكتور/ صالح بن علي أبو عرَّاد أستاذ التربية الإسلامية المساعد
ومدير مركز البحوث التربوية بكلية المعلمين في أبها/ http://www.saaid.net/Doat/arrad/20.htm

Tidak ada komentar:

Posting Komentar